الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
101
تفسير روح البيان
يعنى يوم القيامة لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا منهم وهو جواب القسم وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه إِنْ هذا ما هذا القرآن الناطق بالبعث إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ اى مثله في البطلان فان السحر لا شك تمويه وتخييل باطل وإذا جعلوه سحرا فقد اندرج تحته انكار ما فيه من البعث وغيره وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ الموعود إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ إلى طائفة من الأيام قليلة لان ما يحصره العد قليل لَيَقُولُنَّ اى الكفار ما يَحْبِسُهُ اى أي شئ يمنع العذاب من المجيء والنزول فكأنه يريده فيمنعه مانع وانما كانوا يقولونه بطريق الاستعجال استهزاء ومرادهم انكار المجيء والحبس رأسا لا الاعتراف به والاستفسار عن حابسه أَلا [ بدانيد ] يَوْمَ يَأْتِيهِمْ العذاب كيوم بدر لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ اى مدفوعا عنهم يعنى لا يدفعه عنكم دافع بل هو واقع بكم . ويوم منصوب بخبر ليس وهو دليل على جواز تقديم خبر ليس على ليس فإنه إذا جاز تقديم معمول خبرها عليها كان ذلك دليلا على جواز تقديم خبرها إذ المعمول تابع للعامل فلا يقع الا حيث يقع العامل وَحاقَ بِهِمْ ونزل بهم وأحاط وهو بمعنى يحيق فعبر عن المستقبل بلفظ الماضي تنبيها على تحقق وقوعه ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ اى العذاب الذي كانوا يستعجلون به استهزاء واعلم أن السبب الموجب للعذاب كان الاستهزاء والباعث على الاستهزاء كان الإنكار والتكذيب والناس صنفان في طريق الآخرة صنف مبتاع نفسه من عذاب اللّه تعالى بالايمان والأعمال الصالحة وصنف مهلكها باتباع الهوى وترك الأعمال الصالحة والكفار أمنوا من عذاب اللّه تعالى وسخطه فوقعوا فيما وقعوا من العذاب العاجل والآجل وفي الحديث القدسي ( وعزتي لا اجمع على عبدي خوفين وآمنين إذا خافنى في الدنيا آمنته يوم القيامة وإذا أمننى في الدنيا أخفته يوم القيامة ) . ولشدة الأمر قال الفضيل بن عياض انى لا أغبط ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا ولا عبدا صالحا أليس هؤلاء يعاينون القيامة وأهوالها وانما أغبط من لم يخلق لأنه لا يرى أحوال القيامة وشدائدها وعن السرى السقطي اشتهى ان أموت ببلدة غير بغداد مخافة ان لا يقبلني قبرى فافتضح عندهم فعلى العاقل ان يتدارك امره قبل حلول الأجل كما قيل علاج واقعه پيش از وقوع بايد كرد ويخاف من ربه ويستغفر من ذنبه ويحترز عن الإصرار وفي الحديث ( المستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه ) واللّه تعالى يريد من كل جزء من اجزاء الإنسان ما خلقه له فمن القلب المعرفة والتوحيد ومن اللسان الشهادة والتلاوة وترك الأذية بالاستهزاء وغيره فمن ترك الوفاء بما تعهد له من استعمال كل عضو فيما خلق هو لأجله فقد تعرض لسخط اللّه تعالى وعذابه وقد استهزأ أبو جهل بالنبي عليه السلام في بعض الأوقات حيث سار خلفه عليه السلام فجعل يخلج انفه وفمه يسخر به فاطلع عليه صلى اللّه تعالى عليه وسلم فقال له ( كن كذلك ) فكان كذلك إلى أن مات لعنه اللّه واستهزأ به عليه السلام عتبة بن أبي معيط فبصق في وجهه فعاد بصاقه على وجهه وصار برصا ومر عليه السلام بجماعة من كفار أهل مكة فجعلوا يغمزون في قفاه ويقولون هذا يزعم أنه نبي وكان معه عليه السلام جبريل فغمز جبريل بإصبعه في أجسادهم فصاروا جروحا